حسن الأمين

185

مستدركات أعيان الشيعة

سابقا مرافقا للكولونيل الانكليزي « إسمايس » . تزعزع وزارة الطباطبائي عم الاستياء من دكتاتورية السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . فالوعود البراقة التي وعد بها ، كتوزيع الأراضي الحكومية على الفلاحين لم يتحقق شيء منها ، ومعاهد سنة 1919 م خرجت من الباب لتدخل من الشباك . وحرية الكلام ممنوعة . واعتقال الناس وسجنهم لا يستند إلى قانون . والمجلس النيابي لا يزال معطلا . والقرارات الصالحة الأخرى ، كتحريم تدخين الترياق ( الأفيون ) على الموظفين وتحريم شرب الخمر والمتاجرة بها ، وإقامة دار الأيتام وإنارة الشوارع بالكهرباء ومكافحة التيفوس ، فان ما فيها من إحسان لا يغطي ما يقوم إلى جانبها من إساءات ضخمة . والقرارات الديماغوجية الأخرى ، التي أريد منها تملق شعور العامة ، كالتعطيل يوم الجمعة ومنع استعمال الحروف اللاتينية والتشدد في حجاب النساء ، سرعان ما خمدت الحماسة لها بالقياس إلى ما قاساه الناس من زيادة الضرائب على ضروريات الحياة وجور بعض حكام الولايات وتعديهم على أموال الناس كحاكم قزوين وحاكم زنجان وغيرهما . وما أشبه ذلك من تصرفات جائرة . وزاد في متاعب السيد « ضياء الدين الطباطبائي » انصراف رفيقه القديم « رضا خان » إلى مخاصمته . فقد كان هذا العسكري ساعده الأيمن في تحقيق ماربه . وكان الطباطبائي يرجو أن يكون الدماغ المسير لهذا الجندي القوي ، فإذا به ينقلب عليه . وحرمه جلاء العسكر الانكليزي عن إيران من دعامة قوية من دعامات حكمه . وتكتل في معارضته نخبة من كبار السياسيين والأعيان وأصحاب النفوذ ورجال الدين . وأصبحت دكتاتورية الطباطبائي عبئا يشعر بثقله كل إيراني . وقام رجال الدين وغيرهم من أهل الوجاهة والمعرفة يتحدثون إلى الناس في المجالس والمجامع عن استبداده وخيانته . ولم يبق في يد الطباطبائي من وسيلة للاحتفاظ بمقامه غير القوة والإكراه . وأما السفارة الإنكليزية فلم يبد منها ما يدل على أنها غير راضية عن خطته . والصحف التي عادت تصدر أكرهت على التزام التحسين لسياسة الحكومة . فمن أبى منها أوقف . إلا أن بعض صحف الأقاليم البعيدة عن المركز تجرأ على انتقاد الوضع لقصور يد السلطة المركزية عنها بسبب البعد . وصودرت إحداها مرة في إدارة البريد في طهران لنشرها نقدا شديدا لسياسة الحكومة ودعوتها الناس إلى إسقاط حكومة السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . وأخذ المعارضون يبثون في السر ليلا مناشير يحرضون بها الناس على الحكومة ويشرحون أعمالها الاستبدادية . وانفجرت قنبلة عند إحدى البوابات ، وعجزت الحكومة عن اكتشاف الفاعل . وأخذ رجال الدين وغيرهم يعقدون اجتماعات سرية يتداولون فيها البحث في طريقة إلى الخلاص . وارتئوا مرة أن يظهروا معارضتهم بالاعتصام في مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) أو في مدينة قم أو في إحدى السفارات الأجنبية . ثم أحجموا إذ تبينوا أن الحكومة قادرة على منعهم من إنفاذ قرارهم واعتقالهم . وقامت مظاهرات في بعض الولايات . فاضربت مدينة قم وتجمع أهلها في ساحة مقام « المعصومة » إظهارا لمعارضتهم . وتجددت الثورة في مازندران . بل بلغ سوء الحال إلى أن اعترض السفير السوفياتي بصورة شخصية غير رسمية ، على تشوش الأوضاع ، فسال : ما هو نوع الحكم في إيران ؟ إن يكن هذا الحكم ملكيا فرديا فعلي أن أرجع في معاملاتي الرسمية إلى الشاه . وإن يكن برلمانيا فالواجب أن تحصل أعمال الحكومة كلها على موافقة المجلس النيابي لتكون شرعية ، لا أن تنفرد الحكومة برأيها وتصنع ما يحلو لها . وخشي « أحمد شاه » عواقب الحال ، فاستدعى رئيس الوزراء ونبهه إلى سوء أحوال الدولة . فأجابه الطباطبائي بقوله : « إن مثل هذا التدخل من صاحب الجلالة في شؤون الدولة هو الذي يفسدها . وقوانين المملكة لا تسمح للشاه بان يتدخل في شؤونها ، وتوجب منح رئيس الوزراء الحرية في تصريف الأمور ليستطيع إقامة مركزية قوية ، ويقصر يد المتمردين » . وأرسل « قوام السلطنة » من سجنه الذي ألقاه فيها الطباطبائي رسالة إلى الشاه شرح له فيها وضع البلاد الحقيقي . فكان لهذه الرسالة أثر كبير في نفس الشاه وزادت في نفرته من الطباطبائي . مساعي الطباطبائي في الثامن والعشرين من شهر أرديبهشت سنة 1300 ه‍ . ش . بعد حوالي ثلاثة أشهر من تولي السيد « ضياء الدين الطباطبائي » رئاسة الوزارة ، أيس الطباطبائي من استطاعته الاستمرار في الحكم ، وقد جافاه الشاه وناصبه « رضا خان » العداء . واستاءت منه أكثرية الناس . ففكر بالقيام بانقلاب مسلح . على الشاه و « رضا خان » . وفاتح أرمن طهران الطاشناق بهذه الفكرة ، واقترح عليهم أن يسلحهم لهذه الغاية . ولكن أكثريتهم رفضت الاقتراح لأن عدتهم لا تكفي لهذه المهمة . ( 1 ) ولكن الطباطبائي عزم على المضي في مغامرته ، فأرسل برقيات رمزية إلى رؤساء جنود الدرك المقيمين في الولايات القريبة من طهران ، كقم وقزوين وسمنان وغيرها ، أمرهم فيها بان يتحركوا بجنودهم إلى أماكن عينها لهم ، فيتوقفوا فيها إلى أن يأتيهم من طهران من يلقي إليهم بكلمة سر . فإذا ألقاها إليهم تبعوه وائتمروا بأمره . ولكن بلغهم نبا سقوط وزارة الطباطبائي قبل وصولهم إلى الأماكن المعينة ، فعادوا إلى أماكنهم التي خرجوا منها . وسعى الطباطبائي إلى مواطاة أخي الشاه ولي عهده « محمد حسن ميرزا » على التخلص من الشاه بالاغتيال أو الخلع وتوليته الملك في مكانه . وأخذ يفاوض ولي العهد في السر . ولكن الحرس القوزاق الذين يرافقون ولي العهد أعلموا « رضا خان » ثم أعلموا الشاه باجتماعات السيد « ضياء الدين الطباطبائي » السرية بولي العهد . فعزم الشاه على عزل الطباطبائي وإبعاد ولي العهد . عزل الطباطبائي كان « أحمد شاه » يرغب في عزل الطباطبائي قبل وقوع هذه الحوادث ، ولكن السفارة الإنكليزية كانت تكرهه على إبقائه في منصب رئاسة الوزراء . وأرسل إليه مرة يأمره بالاستقالة فرفض ، وأمتنع عن الحضور إلى البلاط مدعيا المرض . فلما ضاق الشاه ذرعا بهذا الوضع عزم على مغادرة

--> ( 1 ) في إيران جالية أرمنية كبيرة جاءتها في عهد الشاه عباس الأول .